عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

58

اللباب في علوم الكتاب

نعم ، فخرج نعيم ، حتى أتى المدينة ، فوجد المسلمين يتجهّزون لميعاد أبي سفيان ، فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : واعدنا أبو سفيان لموسم بدر الصّغرى أن نقتتل بها ، فقال : بئس الذي رأيتم ، أتوكم في دياركم وقراركم ، فلم يفلت منكم إلا الشريد ، أفتريدون أن تخرجوا إليهم ؟ فإن ذهبتم إليهم لم يرجع منكم أحد ، وقد جمعوا لكم عند الموسم . فوقع هذا الكلام في قلوب بعضهم ، فلما عرف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك قال : « والذي نفس محمد بيده لأخرجنّ إليهم ولو وحدي » . فأما الجبان فإنه رجع ، وأما الشّجاع فإنه تأهّب للقتال ، وقالوا : « حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » . ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ومعه نحو سبعين رجلا - فيهم ابن مسعود حتى وافوا بدر الصغرى - وهي ماء لبني كنانة ، وكانت موضع سوق لهم ، يجتمعون فيه كل عام ثمانية أيام - ولم يلق رسول اللّه - وأصحابه أحدا من المشركين ووافقوا السوق ، وكانت معهم نفقات وتجارات ، فباعوا واشتروا أدما وزبيبا ، وأصابوا بالدرهم درهمين ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين . ورجع أبو سفيان إلى مكة ، وسمّى أهل مكة جيشه جيش السويق ، وقالوا : إنما خرجتم لتشربوا السويق . هذا سبب نزول الآية « 1 » . والمراد ب « الناس » نعيم بن مسعود - في قول مجاهد وعكرمة - فهو من العامّ الذي أريد به الخاصّ ، كقوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [ النساء : 4 ] يعني محمدا وحده ، وإنما جاز إطلاق لفظ « الناس » على الواحد ؛ لأن الإنسان الواحد إذا كان له أتباع يقولون مثل قوله ، أو يرضون بقوله فإنه يحسن - حينئذ - إضافة ذلك الفعل إلى الكل ، قال تعالى : وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [ البقرة : 37 ] وقال : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] وهم لم يفعلوا ذلك ، وإنما فعله أسلافهم ، إلا أنهم لما تابعوهم وصوّبوا فعلهم ، حسن إضافة ذلك إليهم . وقال ابن عبّاس ، ومحمد بن إسحاق ، وجماعة : أراد بالنّاس : الرّكب من بني عبد القيس « قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ » يعني أبا سفيان وأصحابه « 2 » . وقال السّدّيّ : هم المنافقون ، قالوا للمسلمين - حين تجهزوا للمسير إلى بدر لميعاد أبي سفيان - : القوم قد أتوكم في دياركم ، فقتلوا أكثركم ، فإن ذهبتم إليهم لم يبق منكم أحد ، لا سيما وقد جمعوا لكم جمعا عظيما « فاخشوهم » أي : فخافوهم « 3 » . قوله : فَزادَهُمْ إِيماناً في فاعل « فزادهم » ثلاثة أوجه : الأول - وهو الأظهر - : أنه ضمير يعود على المصدر المفهوم من « قال » أي فزادهم

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 409 ، 410 ، 411 ، 412 ) مفرقا وذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 9 / 80 - 81 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 7 / 410 ) عن ابن عباس وذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 9 / 81 ) . ( 3 ) ذكره الرازي في « التفسير الكبير » ( 9 / 81 ) .